خواجه نصير الدين الطوسي

193

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

عمد إلى « الهيولى » بعد تعلّق النفس بها ، فركّبها ضروبا من التراكيب ، مثل السماوات ، والعناصر ؛ وركّب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل . والّذي بقي فيها من الفساد ، فذلك لأنّه لا يمكن إزالته . ثمّ إنّه تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا ، وصار ذلك سببا لتذكّرها عالمها ، وسببا لعلمها بأنّها ما دامت في العالم الهيولاني لا تنفكّ عن الآلام . وإذا عرفت النفس ذلك وعرفت أنّ لها في عالمها اللّذات الخالية عن الآلام اشتاقت إلى ذلك العالم ، وعرجت [ عليه ] بعد المفارقة ، وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة . قالوا : وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين القائلين بالقدم والحدوث ، فانّ أصحاب القدم قالوا : لو كان العالم محدثا فلم أحدثه اللّه تعالى في هذا الوقت المعيّن ، وما أحدثه قبل ذلك ولا بعده ؟ وإن كان خالق العالم حكيما فلم ملأ الدنيا من الآفات ؟ ؛ وأصحاب الحدوث قالوا : لو كان العالم قديما لكان غنيّا عن الفاعل . وهذا باطل قطعا ، لما نرى أنّ آثار الحكمة ظاهرة في العالم . وتحيّر الفريقان في ذلك . وأمّا على هذا الطريق فالاشكالات زائلة ، لأنّا لما اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم . فإذا قيل : ولم احدث العالم في هذا الوقت ؟ قلنا : لأنّ النفس إنّما تعلّقت بالهيولى في ذلك الوقت ، وعلم الباري تعالى أنّ ذلك التعلّق سبب الفساد ، إلّا أنّه بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل بحسب الامكان . وأمّا الشرور الباقية فانّما بقيت لأنّه لا يمكن تجريد هذا التركيب عنها . بقي هاهنا سؤالان : أحدهما أن يقال : لم تعلّقت النفس بالهيولى بعد أن كانت غير متعلقة بها ؟ فان حدث ذلك التعلّق بكلّيته لا عن سبب فجوّز حدوث العالم بكلّيته لا عن سبب . والثاني أن يقال : فهلّا منع الباري تعالى النفس من التعلّق بالهيولى . أجابوا عن الأوّل بأنّ هذا السؤال غير مقبول من المتكلّمين ، لأنّهم يقولون : القادر المختار قد يرجّح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجّح ، فهلّا جوّزوا